الشيخ محمد رشيد رضا
179
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالحكم ويمنع مساواته بغيره ، ولكن الوصف الذي اختص به ذلك النوع قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر ، وليس من شرط القياس الصحيح ان يعلم صحته كل أحد . فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه . ليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الامر . وحيث علمنا أن النص بخلاف قياس علمنا قطعا انه قياس فاسد ، بمعنى ان صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها ، بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم . فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا ، ولكن يخالف القياس الفاسد وان كان بعض الناس لا يعلم فساده ، ونحن نبين ذلك فيما ذكر في السؤال » اه المراد منه ( أقول ) ثم إنه بعد هذا بين خطأ من قال إن تلك المسائل جاءت على خلاف القياس بيانا كافيا شافيا في عدة فصول ظهر به بطلان كثير من كلام فقهاء القياس وأصولهم وقواعدهم ، وتضمن ذلك فوائد نفيسة - منها انعقاد العقود بأي لفظ عرف به المتعاقدان مقصودهما ، وان الشارع لم يحدّ لألفاظ العقود حدا لا النكاح ولا غيره - وان الكناية مع القرينة كالصريح ، ومنها بيان أنواع المعاملات المالية وبطلان كثير من الشروط التي اشترطها فقهاء القياس فيها ، ومنه يعلم يسر الشريعة وسعتها وموافقتها للعدل والعقل ثم أورد بعد هذا ما استشكله نفاة الحكمة والتعليل والقياس من تفريق الشريعة بين المتماثلين وجمعها بين المختلفين في عدة مسائل كثيرا ما يذكرونها ، كفرض الغسل من المنيّ الطاهر دون البول النجس وما في حكمه ، وكذا إبطال الصيام بالاستمناء ، ونضح الثوب من بول الغلام وغسله من بول الجارية ، وقصر الصلاة الرباعية دون غيرها ، وايجاب إعادة الصيام على الحائض دون الصلاة ، وتحريم النظر إلى الحرة ولو عجوزا شوهاء دون الأمة ولو شابة حسناء ، وقطع يد سارق ربع دينار دون مغتصب ألف دينار مع جعل دية اليد خمس مئة دينار - إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة في العبادات والمعاملات المالية والزوجية وفي العقوبات ، ولعله استوفى كل ما بلغه من المسائل التي زعم بعض الناس أنها على خلاف القياس والعقل . ثم أجاب عن ذلك كله بالاسهاب ، الذي لا يكاد يوجد مثله في غير هذا